بينما جلس المفاوضون الأميركيون والإيرانيون حول طاولة واحدة في منتجع بورغنستوك السويسري، بدا أن لبنان حاضر في القاعة بقدر حضور إيران نفسها.
المحادثات التي يقودها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بدأت بعد أيام من تأجيلها بسبب التصعيد في جنوب لبنان، في مؤشر إلى أن استقرار الجبهة اللبنانية أصبح أحد الشروط الأساسية لاستمرار المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران.
وقال فانس إن إدارة ترامب تسعى إلى “تغيير العلاقة” مع إيران والتوصل إلى تفاهمات أوسع تشمل وقف إطلاق النار في لبنان، مضيفاً أن الأيام الأخيرة شهدت تقدماً في هذا الملف. كما أكد قبل وصوله إلى سويسرا أن أولوياته تتمثل في ملفي البرنامج النووي الإيراني والتهدئة اللبنانية.
تفاصيل
• شارك في الاجتماعات مسؤولون من قطر وباكستان اللتين تلعبان دور الوسيط الرئيسي بين الجانبين، بعدما ساهمتا في التوصل إلى مذكرة التفاهم التي فتحت الباب أمام جولة المفاوضات الحالية.
• ضم الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي ومسؤولين من قطاعات النفط والبنك المركزي والأجهزة الأمنية، ما يعكس تركيز طهران على العقوبات والأموال المجمدة إلى جانب الملفات الأمنية.
• رغم الأجواء الإيجابية التي حاول الوسطاء إظهارها، أفادت وسائل إعلام إيرانية بحدوث خلافات بروتوكولية منذ البداية، بعدما رفض الوفد الإيراني المشاركة في صور جماعية أو مصافحات علنية مع الجانب الأميركي.
• ما زال مضيق هرمز يلقي بظلاله على المحادثات. فإيران أعلنت مجدداً إغلاقه احتجاجاً على استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان، بينما تؤكد واشنطن أن الملاحة مستمرة وأن المضيق لم يُغلق فعلياً. هذا الخلاف أصبح أحد أكثر الملفات حساسية على طاولة التفاوض.
• في المقابل، لم تبدِ إسرائيل استعداداً لتقييد عملياتها بشكل كامل في جنوب لبنان، إذ أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش سيواصل التحرك ضد ما يصفه بالتهديدات الأمنية، رغم إعلان وقف إطلاق النار.
التناقض الأميركي
أبرز ما كشفته الساعات الأولى من المفاوضات هو التناقض الواضح بين خطاب فانس في سويسرا وخطاب ترامب في واشنطن.
فبينما تحدث نائب الرئيس الأميركي عن “السلام والازدهار” وإمكانية فتح صفحة جديدة مع إيران، استخدم ترامب لغة أكثر حدة، مهدداً إيران بعواقب عسكرية واقتصادية إذا استمرت في دعم حزب الله أو حاولت تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز. كما عاد للحديث عن إمكانية منح سوريا دوراً أكبر في مواجهة حزب الله داخل جنوب لبنان.
هذا التباين لا يعني بالضرورة وجود خلاف داخل الإدارة الأميركية، لكنه يعكس استراتيجية تقوم على الجمع بين الضغط والدبلوماسية في وقت واحد: فانس يتفاوض، بينما يرفع ترامب سقف التهديدات.
ماذا نراقب؟
السؤال الرئيسي لم يعد ما إذا كانت واشنطن وطهران قادرتين على التفاوض، بل ما إذا كان بإمكانهما ضبط الساحة اللبنانية بما يكفي لإبقاء المفاوضات حية.
فالجولات السابقة تعطلت بسبب التطورات الميدانية في لبنان، وأي انهيار جديد لوقف إطلاق النار قد يدفع المفاوضات إلى المربع الأول، حتى لو أحرز الطرفان تقدماً في الملفات الأخرى. كما أن الخلاف حول مضيق هرمز قد يتحول سريعاً من ورقة ضغط تفاوضية إلى أزمة دولية أوسع إذا لم يُحسم خلال الأيام المقبلة.