مارك أ. ثيسن
توقع الرئيس السابق باراك أوباما أن اتفاق الرئيس دونالد ترامب مع إيران لن يكون “مختلفاً كثيراً أو أفضل بكثير من الاتفاق الذي أبرمناه في المقام الأول”.
أستطيع أن أذكر أكثر من 13 ألف فرق: هذا هو عدد الضربات العسكرية الأمريكية التي شنها ترامب خلال عمليتي “الغضب الملحمي” و”مطرقة منتصف الليل”. فعلى عكس أوباما، دفن ترامب المواد النووية الإيرانية في أعماق الأرض إلى درجة أن مسؤولين كباراً أخبروني بأن إيران أشارت إلى أن الولايات المتحدة ستضطر إلى استخراجها بنفسها لأنها لم تعد قادرة على الوصول إليها لتسليمها. كما دمّر أكثر من 85% من القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية، وأغرق أسطولها البحري، وعطّل سلاحها الجوي، وألحق أضراراً بأجهزة الطرد المركزي، ودمّر قدراتها الصاروخية الباليستية وقواتها العسكرية التقليدية وبنيتها التحتية للقمع. وأخبرتني صحفية إيرانية أن والدتها اقتيدت إلى مركز للشرطة لاستجوابها بسبب تقاريرها عن الحرب، ثم أصبح ذلك المركز بعد أيام ركاماً.
قبل الحرب، حذر ترامب من أنه سيقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إذا لم يذعن لمطالب الولايات المتحدة. وقد نفذ ترامب وعده. فلم تكتفِ القوات الأمريكية والإسرائيلية المشتركة بالقضاء على المرشد الأعلى لإيران، بل قضت أيضاً على عشرات المسؤولين الإيرانيين البارزين. ويُضاف إلى ذلك قاسم سليماني، قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني والعقل المدبر للإرهاب الإيراني، الذي قتله ترامب خلال ولايته الأولى.
واليوم، بفضل ترامب، تم القضاء على القيادة العليا لإيران، ولم يعد النظام قادراً على بسط نفوذه في الشرق الأوسط، ولم يعد يمتلك سوى قدرة “إزعاجية”، وفقاً للأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية. ولم يُلحق أي رئيس أمريكي خلال سبعة وأربعين عاماً ضرراً أكبر بالنظام الإيراني مما ألحقه ترامب. إنه يستحق كل التقدير على ذلك.
وبسبب هذه الضربات، أصبحت مذكرة التفاهم التي أبرمها ترامب مع إيران، والتي تطلق مفاوضات حول كيفية تنفيذ تعهد إيران بإنهاء طموحاتها النووية، مدعومة بتهديد حقيقي باستخدام القوة العسكرية الأمريكية. وكما قال ترامب هذا الأسبوع: “إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي… فسنعود إلى القصف”.
في المقابل، أحجم أوباما عن التحرك بعدما انتهك النظام السوري مراراً خطه الأحمر المتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد شعبه، وردّ على الغزو الروسي لأوكرانيا بتقديم بطانيات ووجبات جاهزة للأكل، وكان من أبرز منظّري مفهوم “القيادة من الخلف” خلال التدخل الأمريكي في ليبيا.
لذلك، لا، هذا ليس نسخة أخرى من اتفاق أوباما النووي. وكما أوضحت وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس مؤخراً: “إيران أضعف بكثير اليوم مما كانت عليه في فبراير، ولا يمكن لأي قدر من الدعاية الإيرانية أن يخفي هذه الحقيقة”.
تكمن المشكلة في ضرورة إبقاء إيران في حالة الضعف تلك. إلا أن الاتفاق الذي وقعه ترامب هذا الأسبوع يحقق العكس تماماً؛ فهو يساعد إيران على النهوض من جديد. فبعد أسابيع من القصف، أصبحت إيران منهكة لكنها لم تتراجع. والنظام مصمم على إعادة بناء ما دمره ترامب. وهو يعلم أن ترامب لن يبقى رئيساً إلا لعامين ونصف العام، لذا فهو يحتاج ببساطة إلى الصمود حتى يتمكن الأمريكيون من انتخاب رئيس ضعيف آخر مثل أوباما أو جو بايدن.
ولا تسمح مذكرة التفاهم هذه للنظام بالبقاء فحسب، بل تمنحه أيضاً الوسائل اللازمة للتعافي وإعادة البناء، من دون أن يقدّم شيئاً يُذكر في المقابل.
ففي الفقرة الرابعة، وافقت الولايات المتحدة على “إنهاء الحصار البحري بالكامل خلال 30 يوماً”، بينما وافقت في الفقرة العاشرة على “إصدار إعفاءات فورية لتصدير النفط الخام الإيراني ومشتقاته، وجميع الخدمات المرتبطة به، بما في ذلك المعاملات المصرفية والتأمين والنقل”.
وبعبارة أخرى، سيتم محو الضرر الناجم عن الحصار فوراً، وسيحصل النظام على عشرات المليارات من الدولارات من عائدات النفط بمجرد توقيع مذكرة التفاهم.
وعلاوة على ذلك، تتعهد الولايات المتحدة في الفقرة الحادية عشرة بـ”إتاحة الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة لجمهورية إيران الإسلامية للاستخدام الكامل فور تنفيذ مذكرة التفاهم”. ولم يُحدد معنى “التنفيذ الكامل”، لكن من المتوقع أن تفسر إيران ذلك باعتباره حقاً فورياً في الوصول إلى جميع الأصول المجمدة، وهي مكسب غير متوقع تبلغ قيمته 24 مليار دولار.
أما الفقرة الخامسة فتمنح إيران، ضمنياً، حق فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، إذ تلزمها بالسماح بالمرور من دون رسوم لمدة ستين يوماً فقط.
ولن يكون بالإمكان استرداد أي من الأموال التي ستتلقاها إيران. وسيكون الضرر دائماً وغير قابل للإصلاح. وعلاوة على ذلك، فإن منح إيران هذا الدعم المالي الفوري وتخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة عليها منذ عقود يضمن عملياً عدم قدرة ترامب على انتزاع تنازلات جوهرية في المفاوضات اللاحقة. فبتخليه عن أوراق ضغطه الاقتصادية الآن، لن يتبقى لديه الكثير ليقدمه أو يمنعه أثناء التفاوض على تفكيك البرنامج النووي الإيراني.
لكن الضرر طويل الأمد أسوأ بكثير. فالمذكرة تنص، كجزء من الاتفاق النهائي، على أن “تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين، بوضع خطة نهائية متفق عليها بشكل متبادل، بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار أمريكي، لإعادة إعمار جمهورية إيران الإسلامية وتنميتها الاقتصادية”. كما تنص على أن الولايات المتحدة ستسهل تقديم هذه المساعدة من خلال منح “جميع التراخيص والإعفاءات والتصاريح اللازمة للمعاملات المالية ذات الصلة”.
ويشبه ذلك إطلاق خطة مارشال لإعادة بناء ألمانيا وهي لا تزال تحت الحكم النازي، علماً بأن القيمة الحالية لخطة مارشال نفسها لم تتجاوز 130 مليار دولار.
ويصر ترامب على أن الولايات المتحدة، على عكس خطة مارشال، غير ملزمة بدفع دولار واحد. لكن ذلك لا يغير شيئاً. فالأموال جزء من اتفاقية وقعها رئيس الولايات المتحدة وتحمل موافقته. وصحيح أن إيران لن تحصل على شيء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، لكن لا يوجد تنازل يمكن أن تقدمه إيران ــ حتى لو سلمت جميع مخزوناتها من اليورانيوم المخصب وأجهزة الطرد المركزي ونُقلت جواً إلى أوك ريدج في ولاية تينيسي ــ يبرر منح 300 مليار دولار للإسلاميين الذين يحكمون إيران.
وفوق ذلك، لم ينفذ ترامب تهديداته بتدمير البنية التحتية للطاقة أو البنية التحتية المدنية الإيرانية، بل ركز على الأهداف العسكرية. لذا يبقى السؤال: ما الذي تحتاج إيران إلى 300 مليار دولار لإعادة بنائه؟
كذلك تنص الفقرة السابعة، ضمن الاتفاق النهائي، على “إنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي، وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأمريكية الأحادية، الأساسية والثانوية”.
ويشمل ذلك العقوبات المتعلقة ليس فقط بالبرنامج النووي الإيراني، بل أيضاً بدعم الإرهاب وبرامج الصواريخ الباليستية وانتهاكات حقوق الإنسان، وهي أمور لم توافق إيران على التخلي عنها. كما أن ترامب لا يستطيع رفع كثير من هذه العقوبات بمفرده، إذ يتطلب الأمر قرارات من مجلس الأمن أو من الكونغرس الأمريكي.
وتتعهد الولايات المتحدة في الفقرة الثانية بـ”الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لإيران”، وهو ما يمنح النظام عملياً ضوءاً أخضر لمواصلة قمع المتظاهرين. وقد وعد ترامب الشعب الإيراني بأن “المساعدة قادمة”، لكن هذه الاتفاقية تمنح طهران غطاءً أمريكياً للاستمرار في القمع.
ويقول ترامب إنه إذا لم توافق إيران على اتفاق نهائي فسيقصفها مجدداً. لكن هذا التهديد نفسه يُعد انتهاكاً للبند الأول من المذكرة، الذي يُلزمه “بعدم شن أي حرب أو أي عملية عسكرية… والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها” ضد إيران.
هذا هو الخبر السيئ.
أما الخبر السار فهو أنني لا أعتقد أن ترامب سيسمح لإيران بإفشال المفاوضات النهائية. فقد قال نائب الرئيس جيه دي فانس في مقابلة حديثة: “إذا لم يلتزموا بالاتفاق، فستبقى المضائق مفتوحة، وسنُلحق ضرراً بالغاً ببرنامجهم النووي، وسنتمكن من مواصلة حياتنا كدولة”.
لكن مصادر رفيعة المستوى في البيت الأبيض أكدت لي أن هذا ليس موقف ترامب. فموقفه هو: إما أن يلتزموا أو سيُدمّرون. وسيصر ترامب على أن تسلم إيران جميع موادها الانشطارية، وليس فقط اليورانيوم عالي التخصيب، أو أن تسمح بتدميرها تحت إشرافه، وإلا فسيستأنف العمليات العسكرية.
وتعتقد إيران أن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي تمنحها نفوذاً. لكن بمجرد انتهاء هذه الانتخابات سيتلاشى ذلك النفوذ، وسيكون ترامب أكثر حرية في استئناف العمل العسكري.
لقد كنت واضحاً بشأن وجهة نظري منذ البداية: كان من الأفضل لترامب إنهاء الحرب من دون اتفاق، عبر حملة قصف أخيرة تستمر بين عشرة وأربعة عشر يوماً لتدمير ما تبقى من القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل، ثم إعلان النصر وإنهاء العمليات القتالية، بالتوازي مع إطلاق حملة سرية لتسليح الشعب الإيراني ومساعدته على إسقاط النظام في الوقت المناسب.
فطالما بقي النظام في السلطة، ستظل المكاسب العسكرية الهائلة التي تحققت مؤقتة وقابلة للتراجع.
وفي الوقت الراهن، لا تسمح الاتفاقية التي وقعها ترامب للنظام بالبقاء فحسب، بل تساعد إيران أيضاً على النهوض من جديد. لقد أتيحت له فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط لجيل كامل. وهذه الاتفاقية تهدد بتبديد كل المكاسب التي حققها في ساحة المعركة. إنه خطأ، لكن لحسن الحظ، ليس نهاية المطاف.
مارك أ. ثيسن كاتب عمود في صحيفة “واشنطن بوست” حول السياسة الخارجية والداخلية، وزميل في معهد “أمريكان إنتربرايز”، وكان سابقاً كبير كتّاب خطابات الرئيس جورج دبليو بوش.