روبرت مالي وستيفن ويرثيم
مع إيران، حقق دونالد ترامب المستحيل مرة أخرى. ففي هجومه على ذلك البلد في فبراير، ذهب إلى ما لم يجرؤ عليه أسلافه، متحالفًا مع إسرائيل في محاولة لإسقاط النظام في طهران أو إضعافه بشكل حاسم. وبعد فشله في تحقيق أي من الهدفين، يبدو أنه انتهى إلى قبول شروط أسوأ مما كان يمكن أن يحصل عليه عبر الدبلوماسية.
وكانت الحرب عبئًا سياسيًا ثقيلًا أيضًا، إذ حظيت منذ بدايتها بتأييد شعبي أقل من أي صراع كبير آخر في التاريخ الأمريكي الحديث.
واليوم، يشعر الصقور الذين احتفوا بعملية “الغضب الملحمي” بالغضب من ترامب لإنهائه الصراع، فيما لا تغفر له الحمائم أصلًا إشعاله. الجميع خرجوا خاسرين، ولا أحد يبدو راضيًا؛ وهي خاتمة مناسبة، وإن كانت غير مألوفة، لحرب ترامب.
في خطوطها العريضة، تبدو النتيجة مألوفة، بل تكاد تكون روتينية. فمرة أخرى تخوض الولايات المتحدة حربًا لتغيير نظام في الشرق الأوسط، مستهدفة خصمًا اعتبره الطرفان السياسيان الرئيسيان تهديدًا وجوديًا. ومرة أخرى، وإن بوتيرة أسرع هذه المرة، تفشل تلك الجهود.
ويبقى السؤال: هل انكسرت أخيرًا حلقة التدخل الأمريكي غير المجدي، أم أنها اتخذت شكلًا جديدًا؟ فإذا كانت إخفاقات الحروب السابقة لم تمنع اندلاع هذه الحرب، فلماذا يمنع حتى فشلها الذريع اندلاع حرب أخرى؟
قد لا يحدث ذلك. فاحتمال تجدد الصراع لا يزال قائمًا. لكن هذه الحرب تختلف عن سابقاتها في نقاط جوهرية، تبدأ بالشخص الذي أشعل فتيلها. فقد كان ترامب الأمل الأخير للمتشددين. لقد بذل أقصى ما يمكن بذله ضد طهران، ومع ذلك فشل.
أدت الحرب غير الضرورية وغير المبررة وغير القانونية إلى زعزعة استقرار المنطقة، وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي، وإثارة غضب الرأي العام الأمريكي. ومع ذلك، فقد تخلّف وراءها هدية غير متوقعة: نفورًا طويل الأمد من المواجهة العسكرية مع إيران، وفرصة لاستبدال عقود من السياسات الفاشلة بدبلوماسية أكثر جدية.
ترامب نفسه هو العامل الأول
يتمثل العامل الأول في شخص ترامب نفسه.
فباراك أوباما، الذي سعى منذ بداية رئاسته إلى الانخراط دبلوماسيًا مع إيران، واجه معارضة مستمرة من الجمهوريين ومن عدد من الديمقراطيين، ما أسهم في انهيار الاتفاق النووي. وبعد ثلاث سنوات فقط من تمزيق ذلك الاتفاق، أصبح ترامب المحرّض الأبرز على حرب مدمرة، والمدافع عنها، والمسؤول عن فشلها، وربما الشخص القادر اليوم على إنهائها.
إنها نسخة معكوسة من مقولة “نيكسون يذهب إلى الصين”، مع فارق أن نيكسون، في هذا السيناريو، كان سيقصف الصين أولًا.
لم يسبق لرئيس أمريكي أن امتلك هامشًا مماثلًا للتوصل إلى اتفاق مع الجمهورية الإسلامية، إذا أراد ذلك. وقد سخر اليسار من اتفاق الإدارة، لكنه لم يعارضه معارضة فعلية، لأنه يريد وقف القتال. أما صقور إيران في واشنطن فيواصلون الصراخ، لكنهم يواجهون معضلة حقيقية. فبعد سنوات من تنفير الديمقراطيين، يخاطرون بفقدان ما تبقى من نفوذهم إذا انفصلوا كليًا عن ترامب.
كما أنهم لا يستطيعون بسهولة التنصل منه. فقد أيدوا انسحابه من الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما، واحتفوا بتحوله نحو الحرب قبل أشهر قليلة. واليوم لم يعد أمامهم سوى الأمل في فشل ترامب في التوصل إلى اتفاق نووي أشمل، بما يسمح لهم بالضغط باتجاه جولة جديدة من الحرب بأهداف أكثر طموحًا.
قد ينجحون بالطبع. فترامب متقلب بطبعه، وتحويل “مذكرة التفاهم” الغامضة التي وقعها مع إيران إلى اتفاق مفصل سيكون مهمة شاقة. كما أنه، في تناقض مع روحية الاتفاق، واصل التهديد باستئناف القصف إذا لم يرضه السلوك الإيراني.
ومع ذلك، لم يعد استخدام القوة ضد إيران بالنسبة لترامب خيارًا مغريًا يمكن التفكير فيه من بعيد، بل تجربة قاسية خاضها بنفسه واضطر إلى التراجع عنها. لقد تخيل حربًا تمنحه مجدًا سريعًا، لكنه وجد نفسه أمام حرب وُلدت غير شعبية وتموت من دون أن يرثها أحد.
درس للخلفاء
إذا صمد وقف إطلاق النار الهش حتى نهاية ولاية ترامب، فسيرث خلفاؤه درسًا بالغ الوضوح.
سيرون كيف استنزفت الولايات المتحدة بسرعة كميات ضخمة من الذخائر المتطورة التي تحتاجها في أوروبا وآسيا، من دون أن تتمكن من القضاء على الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وسيرون كيف تمكنت إيران من فرض سيطرة فعالة على مضيق هرمز، ملحقة خسائر فادحة بالمصالح الأمريكية، فيما افتقرت واشنطن إلى خيارات عسكرية عملية لإعادة فتحه بالقوة.
وسيرون كذلك أن مستقبل البرنامج النووي الإيراني لم يُحسم بالقنابل، بل عاد في النهاية إلى طاولة المفاوضات، مع نظام خرج من الحرب أكثر جرأة وثقة وشعورًا بالانتصار.
وباختصار، سيتذكر الرؤساء القادمون أن الحرب جاءت بنتائج عكسية، واستنزفت الموارد السياسية والعسكرية على حساب أولويات أمريكية أخرى داخلية وخارجية.
سقوط أوهام صقور الحرب
سيكون من الأصعب أيضًا على الرؤساء المستقبليين تصديق أولئك الذين روّجوا لهذه المغامرة.
فعلى مدى سنوات، زعم معارضو اتفاق أوباما النووي أنهم لا يريدون الحرب، بل “اتفاقًا أفضل” يتحقق بالضغط لا بالقوة. أما اليوم، فقد انكشف موقفهم بعدما اصطفوا خلف هجوم واسع النطاق شنه رئيس يتباهى باتخاذ القرارات المرتجلة، ومن دون وجود تهديد وشيك، لينتهي الأمر باتفاق لا يستطيعون الدفاع عنه.
ومن الآن فصاعدًا، ستبدو وعودهم بشأن الإكراه المجاني على حقيقتها: دعوات متخفية إلى الحرب.
العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تحت الضغط
أدى هذا الصراع أيضًا إلى توتر النظام الإقليمي الذي دفع الولايات المتحدة وإيران إلى حافة المواجهة مرات عديدة خلال العقود الماضية.
فالركيزة الأولى لهذا النظام كانت العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. صحيح أن لدى واشنطن أسبابها الخاصة للخلاف مع طهران، لكن شدة العداء الأمريكي لإيران واستعداد واشنطن لاستخدام القوة ضدها ارتبطا بدرجة كبيرة بالتزامها الاستراتيجي تجاه إسرائيل، التي تنظر إلى الصواريخ الإيرانية ووكلائها الإقليميين وطموحاتها النووية بوصفها تهديدات وجودية.
لكن هذه الشراكة تواجه اليوم ضغوطًا غير مسبوقة.
فما بدأ باعتباره أكثر تعاون عسكري أمريكي إسرائيلي تكاملًا في التاريخ انتهى إلى توبيخ علني من الرئيس الأمريكي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، متهمًا إياه بتقويض الاتفاق مع إيران عبر سياسات تصعيدية.
ويتزامن ذلك مع تحول كبير في الرأي العام الأمريكي، إذ باتت غالبية الأمريكيين تنظر إلى إسرائيل بصورة سلبية، في تحول يعكس اتساع الفجوة بين السياسات الإسرائيلية والمصالح الأمريكية كما يراها كثيرون.
ويعتقد عدد متزايد من الأمريكيين أن بنيامين نتنياهو أقنع ترامب بخوض الحرب عبر وعود بانتصار سريع وسهل، قبل أن يلجأ إلى التصعيد المتكرر لتعطيل أي مخرج سياسي.
وربما تتراجع حدة رد الفعل هذه مستقبلاً، خصوصًا إذا شهدت إسرائيل تغييرًا سياسيًا بعد الانتخابات المقبلة. لكن بعد حرب غزة، ثم الحرب مع إيران، وبعد أن أصبح انتقاد الدعم الأمريكي لإسرائيل قضية تلقى صدى واسعًا عبر مختلف التيارات السياسية، لن يكون من السهل إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.
القواعد الأمريكية في الخليج
أما الركيزة الثانية للنظام الإقليمي الأمريكي فهي الوجود العسكري الواسع في الخليج العربي.
فشبكة القواعد العسكرية الأمريكية صُممت لتعزيز النفوذ الأمريكي وحماية الحلفاء العرب، لكنها تحولت في نظر إيران إلى تهديد مباشر وهدف استراتيجي في الوقت نفسه.
وقد أفرز ذلك نظامًا يغذي نفسه بنفسه؛ إذ تحولت الترتيبات الأمنية التي كان يفترض أن تمنع الصراع إلى عوامل تدفع نحوه، وأصبحت الولايات المتحدة، التي تقدم نفسها بوصفها ضامنًا للاستقرار، طرفًا رئيسيًا في الحروب.
وقد أضعفت الحرب هذا النظام بشكل ملموس. فبحسب التقارير، ألحقت إيران أضرارًا بعشرات المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة، معطلة أنظمة دفاعية وبنى تحتية حيوية.
وعلى واشنطن أن تواجه حقيقة أن شبكتها العسكرية الواسعة خلقت نقاط ضعف إضافية لها ولشركائها بدل أن توفر الأمن المطلق.
أما دول الخليج، فقد خرجت بدورها بدرس قاسٍ: ففي اللحظة التي احتاجت فيها إلى الاستقرار، وجدت نفسها تتحمل تبعات حرب لم تكن ترغب فيها ولم يكن لها دور أساسي في صنعها.
وربما كان الأثر الأعمق للحرب هو الضربة التي وجهتها إلى مبررات الوجود العسكري الأمريكي نفسه. فمن غير المرجح أن تقطع دول الخليج علاقاتها الأمنية مع واشنطن، لكن من المشروع للطرفين التساؤل عما إذا كان هذا الوجود العسكري الضخم جزءًا من المشكلة أكثر منه جزءًا من الحل.
فرصة ما زالت هشة
لا يزال الابتعاد الأمريكي عن الحرب في مراحله الأولى، وما زال هشًا.
فثمة ميل مستمر إلى اعتبار إيران أصل كل مشكلات الشرق الأوسط، والمبالغة في حجم التهديد الذي تمثله، ودعم الحلول العسكرية الإسرائيلية، وربط المصالح الأمريكية بالوجود العسكري الدائم في الخليج.
وما دامت هذه الأفكار قائمة، فإن احتمال عودة الولايات المتحدة إلى استخدام القوة سيظل قائمًا أيضًا، سواء في عهد ترامب أو خلفائه.
لكن معارضي حرب الأمس لديهم مصلحة واضحة في منع حرب الغد، وفي إنهاء تورط الولايات المتحدة في صراعات سرعان ما تندم عليها.
وهذه المهمة ليست مستحيلة. فالهزائم العسكرية أجبرت الأمريكيين مرارًا على إعادة تقييم التهديدات التي خاضوا الحروب لمواجهتها.
قبل خمسة عقود، غادرت الولايات المتحدة فيتنام واكتشفت أن العالم لم ينهَر كما كان يُحذر. وقبل خمس سنوات انسحبت من أفغانستان، وأعادت النظر في كثير من الافتراضات التي حكمت سياساتها هناك.
وفي كل مرة، أدى إدراك التكلفة الحقيقية للحرب إلى التساؤل عما إذا كان التهديد قد جرى تضخيمه منذ البداية.
إيران، وفق معظم المقاييس الاستراتيجية، لا ينبغي أن تكون بين أكبر مشكلات الولايات المتحدة. وسيأتي يوم، بطريقة أو بأخرى، تتجاوز فيه واشنطن هذه القضية.
أما السؤال الحقيقي، فهو: متى سيحدث ذلك؟ وكم سيدفع الناس من ثمن قبل أن يحدث؟
روبرت مالي، المبعوث الأمريكي الخاص لإيران بين عامي 2021 و2023، هو الرئيس الفخري ومدير برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية ومحاضر في كلية جاكسون بجامعة ييل.
أما ستيفن ويرثيم فهو زميل بارز في برنامج السياسة الأمريكية بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومحاضر زائر في كلية الحقوق بجامعة ييل، ومؤلف كتاب “غدًا، العالم: ميلاد الهيمنة الأمريكية العالمية”.