EN

انتهت أزمة النفط التي استمرت 53 عاماً أخيراً!

ontime team

ماثيو لين

لقد غيّرت الطائرات المسيّرة طبيعة الحروب، وأثبتت الاستخبارات الإسرائيلية أنها ليست معصومة من الخطأ، كما تبيّن أن القيادة الإيرانية أقوى مما كان يُعتقد. وحتى لو استمر الصراع، فقد قدّمت الحرب الإيرانية للعالم دروسًا بالغة الأهمية. ولعل أهم هذه الدروس هو أن أزمة النفط التي استمرت 53 عامًا قد انتهت أخيرًا، تاركة العالم في وضع أفضل.

كان الهجوم على إيران أشبه بعاصفة هوجاء اجتاحت سوق الطاقة. فما كان يُفترض أن يكون معركة خاطفة وحاسمة تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني، تحوّل إلى حالة من الجمود. وأغلقت إيران مضيق هرمز، ما أدى إلى تعطيل خطوط إمداد النفط. وحذّر المحللون من خروج أسعار النفط عن السيطرة. فقد توقعت غولدمان ساكس أن يصل سعر برميل النفط إلى 150 دولارًا، بينما توقعت وود ماكنزي أن يبلغ 200 دولار، وقال أليكسي ميلر، رئيس مجلس إدارة شركة غازبروم الروسية للطاقة، إن السعر قد يصل إلى 250 دولارًا.

وبدا أن الخبراء يتنافسون على تقديم أعلى التوقعات. ولم يقتصر الذعر على أسواق النفط، إذ حذرت وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر من “أزمة غذاء عالمية”، بينما ألغت شركات الطيران رحلاتها، وبدأت البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة للحد من التضخم. ووفقًا للخبراء، كانت أزمة النفط تمثل حالة طوارئ اقتصادية عالمية.

لكن الكارثة لم تقع. صحيح أن أسعار النفط ارتفعت بشكل حاد، إذ قفز سعر خام برنت القياسي من 70 دولارًا للبرميل إلى ما يقارب 120 دولارًا بعد فترة وجيزة من اندلاع النزاع. كما أصبح البنزين أكثر تكلفة، متجاوزًا 5.60 دولارات للغالون في كاليفورنيا، فيما ارتفع معدل التضخم قليلًا إلى 4.2%.

أما الحديث عن أزمة شاملة، فكان مبالغًا فيه. فحتى بالقيمة الحقيقية، لم يصل سعر النفط إلى أعلى مستوياته التاريخية. فقد بلغ 147 دولارًا للبرميل عام 2008، وهو ما يعادل نحو 224 دولارًا بأسعار اليوم. وهكذا انتهت أزمة النفط الممتدة التي بدأت مع حظر منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) عام 1973، وهو الحدث الذي كان من الخطورة بمكان دفع الرئيس ريتشارد نيكسون إلى فرض حد أقصى للسرعة على الطرق يبلغ 55 ميلًا في الساعة، وحث الأمريكيين على بدء يوم عملهم قبل ساعة من المعتاد.

واليوم، لا أحد يتوقع إجراءات طارئة لتقنين استهلاك الطاقة، أو رفع أسعار الفائدة إلى 13%، أو حدوث قفزة هائلة في معدلات البطالة. وببساطة، لم يعد النفط، ذلك السائل الأسود اللزج، يحتل المكانة التي كان يتمتع بها في السابق.

وعلى الرغم من التحذيرات التي سادت خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بشأن نضوب النفط، فإن العالم يشهد وفرة كبيرة في الإمدادات. وبفضل تقنية التكسير الهيدروليكي بالدرجة الأولى، أصبحت الولايات المتحدة اليوم أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم. كما تعمل دول عدة، من المكسيك إلى الأرجنتين، على تطوير احتياطياتها من النفط الصخري. أما فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، فمن المتوقع أن تعاود زيادة إنتاجها بعد الإطاحة بنظام مادورو.

وفي الوقت نفسه، يتزايد الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة والصديقة للبيئة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية. وتمثل مصادر الطاقة المتجددة 47% من إنتاج الكهرباء في الاتحاد الأوروبي و26% في الولايات المتحدة. كما ترتفع هذه النسبة بسرعة في أمريكا، حيث تجاوزت الطاقة الشمسية الفحم في إنتاج الكهرباء خلال الشهر الماضي.

لقد انتهت ما يمكن تسميته بـ”أزمة النفط الطويلة”، التي امتدت من عام 1973 إلى عام 2026. وسيترتب على ذلك ثلاث نتائج رئيسية.

أولًا، لن يحظى الشرق الأوسط بالأهمية نفسها التي تمتع بها سابقًا. فسيظل مهمًا باعتباره ملتقى بين الشرق والغرب وإحدى أبرز مناطق الصراع في العالم، لكن دوره سيتراجع إذا لم يعد العامل الحاسم في تحديد مصير الاقتصاد العالمي.

ثانيًا، من المرجح أن يتراجع التضخم. فقد كان النفط عنصرًا أساسيًا في عدد هائل من المنتجات والخدمات، ما جعله عاملًا مؤثرًا في مستويات الأسعار عمومًا. ولذلك قد تشهد الولايات المتحدة عقدًا أو أكثر من الاستقرار النسبي في تكلفة المعيشة، مع زيادات طفيفة فقط من عام إلى آخر.

أما النتيجة الثالثة، وهي الأهم، فتتمثل في أن الاقتصاد العالمي سيصبح أكثر استقرارًا. فعلى مدى نصف القرن الماضي، ارتبطت أسعار النفط المرتفعة بخمس موجات ركود اقتصادي أو انهيارات كبيرة في أسواق الأسهم، أعوام 1973 و1979 و1990 و2008 و2022. وكان الأمر أشبه بالعيش إلى جوار عائلة مضطربة نفسيًا؛ فقد تمر فترات من الهدوء، لكن الفوضى كانت دائمًا قاب قوسين أو أدنى.

لقد تراجعت أهمية النفط تدريجيًا على مدى السنوات الماضية، لكن الأزمات السابقة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا لدى الرؤساء وصناع السياسات والمستثمرين، ما أبقى النفط في صلب نظرتهم إلى العالم.

وسيظل النفط مهمًا بلا شك؛ فالألواح الشمسية لا تنتج البلاستيك، وتوربينات الرياح لا تنتج الأسمدة. لكنه لن يكون بعد اليوم العنصر الذي يتصدر عناوين الأخبار ويهز الاقتصاد العالمي عند كل أزمة. لقد انتهى عصره المهيمن، وهذا من شأنه أن يجعل العالم أكثر استقرارًا.

ماثيو لين كاتب عمود اقتصادي ومؤلف، ويكتب لصحيفة “ديلي تلغراف” ومجلة “سبيكتاتور” في لندن.

ماذا تقرأ بعد ذلك