EN

لا يمكنك أن تكون قوة عظمى من دون حلفاء!

SAFAA SUBHI

أونا أ. هاثاواي

مع اقتراب الحرب في إيران من نهايتها الهشة، يتساءل الأمريكيون عن سبب ضآلة ما حققته. كيف تمكنت دولة متوسطة القوة مثل إيران، المعزولة جيوسياسيًا، والمتداعية اقتصاديًا بعد سنوات من العقوبات، والمثقلة بالاحتجاجات الواسعة، من مواجهة قوة عظمى عالمية أنفقت 29 مليار دولار وما زالت تنفق، لتجد نفسها في نهاية المطاف في موقف أضعف مما كانت عليه في البداية؟

الإجابة بسيطة: لأن الولايات المتحدة حاولت العمل بمفردها. فبالتعاون مع إسرائيل فقط، اعتقد الرئيس ترامب أنه قادر على استخدام القوة العسكرية الأمريكية الهائلة لسحق إيران وإخضاعها. ولم يسعَ إلى الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي، كما ينص ميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي جعل الحرب غير قانونية منذ بدايتها، وبالتالي مصدر قلق كبير للعديد من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين. كما أنه لم يستشر شركاءه في المنطقة قبل إشعال صراع عرّضهم لخطر مباشر. وكان واثقًا من أن إسقاط ما يكفي من القنابل كفيل بتحقيق أهدافه.

لكنه كان مخطئًا. فقد فشل الرئيس ترامب في إدراك أن هذه اللعبة يمكن أن تُلعب من الطرفين. فأغلقت إيران مضيق هرمز بصورة غير قانونية، مهددة بمهاجمة السفن العابرة له، وأطلقت طائرات مسيّرة وصواريخ على جيرانها. وعندما قرر ترامب السعي إلى حشد دعم أوسع لوقف طهران، كان الأوان قد فات لتشكيل تحالف فعّال. وحتى حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لم يكونوا مستعدين للانضمام إلى حرب اختارها بنفسه وعدّوها غير شرعية، رغم أنهم عانوا هم أيضًا من التداعيات الاقتصادية القاسية للرد الإيراني.

في الواقع، لم تكتفِ الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة منذ زمن طويل برفض دعوات المشاركة في الحرب، بل رفضت الانخراط فيها بشكل قاطع. فقد أغلقت عدة دول، من بينها حلفاء مقربون، مجالاتها الجوية وقواعدها العسكرية أمام القوات الأمريكية المشاركة في العمليات. ومنعت إسبانيا استخدام مجالها الجوي والقواعد المشتركة الأمريكية الإسبانية في أي عمليات مرتبطة بالصراع الإيراني. كما رفضت فرنسا السماح بمرور الطائرات التي تنقل إمدادات عسكرية أمريكية إلى إسرائيل، بينما فرضت كل من إيطاليا وسويسرا قيودًا مماثلة. أما بريطانيا، التي طالما احتفت بـ”العلاقة الخاصة” مع الولايات المتحدة، فقد شهدت نقاشًا حادًا حول السماح باستخدام قواعدها، وانتهت إلى قصر ذلك على العمليات “الدفاعية” فقط. وقال رئيس الوزراء كير ستارمر: “لن نتدخل في أي عمل هجومي تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل”.

لقد أوضحت الحرب في إيران حقيقة واحدة: حتى أقوى دولة في العالم لا تكون بالقوة نفسها عندما تقرر العمل بمفردها. وهذا درس تتجاوز تداعياته الحرب الإيرانية بكثير، لأنه يكشف جوهر الخلل في استراتيجية ترامب العالمية. فالرئيس يريد أن يجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، لكنه لا يدرك أن ما جعل الولايات المتحدة عظيمة لم يكن قدرتها على فرض إرادتها منفردة، بل قدرتها الفريدة على بناء مؤسسات دولية تجسد قيمها ومصالحها، وتجذب الآخرين إلى الانضمام إليها.

وتُعد الأمم المتحدة مثالًا واضحًا على ذلك. فقد كُتبت المسودة الأولى لميثاق الأمم المتحدة داخل وزارة الخارجية الأمريكية. وقاد وكيل وزارة الخارجية آنذاك، سومنر ويلز، فريق عمل وضع تصورًا لمنظمة دولية تُعنى بالحفاظ على السلام بعد الحرب العالمية الثانية، حتى لا تضطر الولايات المتحدة مجددًا إلى إرسال جنودها لوقف “قوى وحشية تسعى إلى إخضاع العالم”. وقد جسدت الأمم المتحدة القيم التي حاربت الولايات المتحدة من أجلها، بما في ذلك حظر التوسع الإقليمي ونبذ استخدام القوة.

إلا أن إدارة ترامب، شنت حروبًا متكررة في انتهاك للميثاق الذي ساهمت الولايات المتحدة نفسها في صياغته، ليس في إيران فحسب، بل أيضًا في فنزويلا، إلى جانب تنفيذ هجمات بحرية مميتة في منطقة البحر الكاريبي.

كما أدت السياسات الاقتصادية الأحادية للرئيس إلى تقويض مؤسسات واتفاقيات بريتون وودز التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي عززت الهيمنة الاقتصادية الأمريكية لعقود. ولم تكن هذه المؤسسات تعكس التزام الولايات المتحدة بالتجارة الحرة والليبرالية الاقتصادية فحسب، بل ساهمت أيضًا في ترسيخ مكانة الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية، وهو ما مكّن واشنطن من الاقتراض بتكاليف منخفضة واستخدام الدولار أداةً للعقوبات الاقتصادية لا تضاهيها أي دولة أخرى.

وفي الوقت الذي تتخلى فيه الولايات المتحدة عن دورها التاريخي في قيادة المؤسسات العالمية، تبرز الصين بصورة متزايدة. ففي أول يوم له بعد عودته إلى البيت الأبيض، أمر ترامب بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، التي كانت أكبر ممول لها. وردت الصين بالتعهد بتقديم 500 مليون دولار للمنظمة على مدى خمس سنوات، ما يمهد الطريق أمامها لتحل محل الولايات المتحدة بوصفها أكبر دولة مانحة لها.

وبينما تتخلى الولايات المتحدة عن مقاعدها في العديد من هيئات الأمم المتحدة القيادية، تسعى الصين بنشاط إلى تعزيز حضورها داخل هذه المؤسسات. وهي اليوم ثاني أكبر ممول للأمم المتحدة بعد الولايات المتحدة، وقد تنتزع المرتبة الأولى قريبًا، بكل ما يرافق ذلك من نفوذ سياسي ودبلوماسي.

وتُظهر الاتفاقية التي وقعها ترامب مؤخرًا مع إيران مجددًا ميله إلى تهميش الحلفاء والاعتماد على القوة. فبينما كانت خطة العمل الشاملة المشتركة، التي تفاوضت عليها إدارة أوباما لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، اتفاقًا متعدد الأطراف ضم إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، فإن الاتفاقية الجديدة تقتصر على الولايات المتحدة وإيران وحدهما.

كما أنها تستند إلى تهديد مباشر باستخدام القوة العسكرية. فقد تعهد ترامب قائلًا: “إذا لم تنفذ إيران التزاماتها، فسنعود فورًا إلى إلقاء القنابل مباشرة فوق رؤوسهم”.

ولم تبدأ بعدُ إلا أولى ملامح الضرر الذي ألحقته استراتيجية ترامب الانفرادية. فالحلفاء، بعد أن توصلوا إلى قناعة بأن الولايات المتحدة لم تعد شريكًا موثوقًا في الدفاع عن المبادئ الأساسية للنظام الدولي الذي ساهمت في تأسيسه، باتوا ينشغلون بالتحوط من تقلباتها. فهم يبرمون اتفاقيات تجارية من دونها، ويعززون قدراتهم العسكرية لتقليل اعتمادهم عليها، ويقيمون تحالفات جديدة لا تشملها.

وقد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تدفع الولايات المتحدة الثمن كاملًا. فما زال كثير من حلفائها التقليديين يعتمدون عليها بدرجات كبيرة، وما زالوا يخشون تبعات مواجهة الرئيس ترامب بشكل مباشر. لكن هذا الوضع لن يستمر إلى الأبد. فكلما أدركت الدول أن الولايات المتحدة لم تعد تدافع عن القيم التي طالما رفعت لواءها، ازداد احتمال أن تجد نفسها معزولة، ومجبرة على مواجهة التحديات وحدها، حتى لو لم يكن ذلك خيارها.

قد يعتقد الرئيس ترامب أن نفوذ الولايات المتحدة يستند فقط إلى قوتها العسكرية والاقتصادية. لكن الدرس الذي ينبغي أن تُعلمه الحرب في إيران له وللأمريكيين جميعًا هو أن قوة الولايات المتحدة تنبع أيضًا من إيمان الدول الأخرى بأن هذه القوة تستند إلى الشرعية والمبادئ، لا إلى القدرة وحدها.

أونا أ. هاثاواي أستاذة القانون والعلوم السياسية في جامعة ييل، وباحثة غير مقيمة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ورئيسة الجمعية الأمريكية للقانون الدولي.

ماذا تقرأ بعد ذلك