EN

هل اتفاق ترامب الهش مع إيران لا يزال قائماً؟

ontime team

ديفيد إغناطيوس

يستحق الرئيس دونالد ترامب الازدراء الذي يتلقاه من اليمين واليسار بسبب محاولته تصوير انسحابه من الحرب مع إيران على أنه انتصار. لكن الشماتة ليست استراتيجية. وبالنسبة إلى أصحاب النظرة الواقعية، يبقى السؤال المطروح: كيف يمكن لمذكرة التفاهم الهشة الموقعة هذا الأسبوع أن تشكّل إطاراً قابلاً للتحقق يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي ومن مواصلة زعزعة استقرار الشرق الأوسط؟

لنبدأ ببعض الحقائق الواضحة. لقد أشعل ترامب هذه الحرب بتهور، لكنه أحسن صنعاً بإنهائها الآن قبل أن تتفاقم. وكان محقاً في إعطاء الأولوية لإعادة فتح مضيق هرمز، حتى وإن بدا الأمر وكأنه دفع فدية. كما كان محقاً في ضم لبنان إلى وقف إطلاق النار، في محاولة لاحتواء الصراع الإسرائيلي المستمر مع حزب الله هناك، بما يتيح للجيش اللبناني استعادة سيادته.

لكن مذكرة التفاهم، للأسف، ليست سوى قائمة أمنيات أكثر منها اتفاقية رسمية. فباستثناء إعادة فتح مضيق هرمز، تُترك جميع القضايا الرئيسية تقريباً للتفاوض خلال الستين يوماً المقبلة. ويتفق كثير من المحامين والدبلوماسيين المخضرمين مع رأي جيفري سميث، المستشار القانوني السابق لوكالة المخابرات المركزية، الذي قال لي بصراحة: «خلال 52 عاماً قضيتها في عالم السياسة الخارجية، لم أرَ قط وثيقة بهذا السوء في الصياغة».

ومن بين القضايا النووية الرئيسية التي تجاهلها ترامب في اندفاعه نحو الخروج من الأزمة، أن إيران «تؤكد» فقط تعهدها القديم ــ الذي لا يصدقه كثيرون ــ بعدم تطوير أسلحة نووية. كما أنها ستناقش «القيود» المفروضة على تخصيب اليورانيوم في المستقبل، لكنها لا تتعهد بإغلاق أي موقع نووي. كذلك ستتخلص من مخزونها الحالي من اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة، على الأرجح عبر «تخفيفه» تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدلاً من نقله إلى خارج البلاد.

وثمة مجال أوسع للمناورة. فقد صرّح ترامب يوم الأربعاء بأن إيران تستطيع الاحتفاظ بصواريخها الباليستية، على غرار جارتها السعودية. وبعد ستين يوماً، ستتمكن، على ما يبدو، من فرض رسوم على الملاحة في المضيق، ربما بعد مناقشة «الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية» مع عُمان. كما ستحصل إيران على أصولها المجمدة فور توقيع الاتفاق، وستصبح هذه الأموال «قابلة للاستخدام الكامل» لأي غرض تريده. وسيتضمن «الاتفاق النهائي» «إنهاءً دائماً للحرب على جميع الجبهات»، لكن يبقى السؤال: هل سيقيد ذلك فعلاً الحوثيين في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق، وحزب الله في لبنان؟

أكثر ما يزعجني هو أن النفوذ الرئيسي الذي تملكه الولايات المتحدة لدفع إيران إلى معالجة هذه القضايا العالقة يتمثل في تهديد ترامب بالعودة إلى الحرب. وبعد كل تلك الضربات الحاسمة التي لم تُنفذ خلال الأشهر الأربعة الماضية، يبدو هذا التهديد مفتقراً إلى المصداقية. وقد أعلن ترامب ذلك صراحة يوم الأربعاء؛ فهو لا يريد أن يكون نسخة أخرى من هربرت هوفر. وإذا انهارت الأسواق، فسوف يلجأ دائماً إلى التسوية، ولا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وقد يعيد فرض العقوبات الاقتصادية، لكن إيران تدرك جيداً نقطة ضعفه فيما يتعلق باستخدام القوة العسكرية مع بدء فترة التفاوض الممتدة لستين يوماً.

فكيف يمكن لشخص عاقل أن يقيّم أداء فريق ترامب خلال الشهرين المقبلين، بينما يسعى إلى تحويل هذا الاتفاق الهش إلى اتفاق حقيقي؟ وكيف يمكننا أن نعرف ما إذا كانت إيران قد بدأت بالفعل تحولاً نحو وضع أقرب إلى دولة «طبيعية»، أم أنها ــ كما يبدو مرجحاً للغاية ــ تماطل فحسب ريثما تعيد بناء دولة راعية للإرهاب؟

اقترح عليّ أحد أبرز خبراء الاستخبارات المختصين بالشؤون الإيرانية، والذي طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع، معيارين أساسيين. أولهما إحراز تقدم ملموس في إزالة الألغام من مضيق هرمز، بالتعاون مع إيران، خلال أسبوعين من توقيع الاتفاق يوم الجمعة. فشركات التأمين وقادة ناقلات النفط سيحتاجون إلى أدلة موثقة تثبت سلامة المضيق. أما المعيار الثاني، فهو أن يبدأ الخبراء الفنيون خلال أسبوعين مفاوضات جادة بشأن القضايا النووية.

ويُعد قبول إيران المبكر بعمليات التحقق التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية اختباراً بالغ الأهمية، وفقاً لإرني مونيز، الفيزيائي النووي ووزير الطاقة الأمريكي السابق الذي لعب دوراً محورياً في الاتفاق النووي لعام 2015. وقد أوضح مونيز لي أن على إيران الموافقة سريعاً على تسهيل عملية حصر الوكالة لنحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب الذي تمتلكه قبل بدء عملية «الخلط». كما يجب عليها قبول نظام تحقق صارم من الوكالة، يتضمن إمكانية إجراء عمليات تفتيش سريعة للمواقع السرية المحتملة.

وقال لي مونيز: «إذا نجحت إيران في مقاومة التحقق الصارم، فلن تكون للاتفاق قيمة كبيرة». وسيكون ذلك اختباراً مبكراً كاشفاً للكثير من الحقائق.

وماذا عن المسألة الأوسع، أي إنشاء صندوق تنمية بقيمة 300 مليار دولار لمساعدة إيران على التحول إلى دولة حديثة «طبيعية»، وهي الفكرة التي يروج لها نائب الرئيس جيه دي فانس والمبعوث الخاص جاريد كوشنر منذ اجتماعهما مع المفاوضين الإيرانيين في إسلام آباد خلال أبريل/نيسان؟ لقد قوبلت هذه الفكرة بالاستهجان والسخرية، لكنني لست متأكداً من أسباب ذلك. فالصندوق سيكون خاصاً، ولن يستثمر فيه أحد ما لم تتوافر أدلة واضحة على حدوث تغيير حقيقي.

سألت دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة أوبر وأحد أبرز نماذج الفطنة التجارية لدى الجالية الإيرانية الأمريكية، عن رأيه في خطة الـ300 مليار دولار. فأجابني يوم الخميس: «إذا وُجدت آلية لإطلاق العنان لروح المبادرة الكامنة لدى الشعب الإيراني وإعادة الأمل إلى المنطقة، فقد تكون هذه الخطة بمثابة بصيص أمل».

ومن الواضح أن الشركات الكبرى، مثل أوبر، ستتردد في الاستثمار، كما أن السعودية والإمارات العربية المتحدة ليستا مرشحتين للاستثمار في المستقبل القريب. لكن إذا شجعت هذه الفكرة المواهب الشابة والطموحة في إيران على تحدي النظام وبناء شركات ناشئة قابلة للاستثمار، فإن ذلك سيكون أمراً إيجابياً بلا شك.

إن الخطط الطموحة الرامية إلى كسر حلقة الدم في الشرق الأوسط تثير اهتمامي، وربما أكثر مما ينبغي. وبصراحة، فإن أحد الأخطاء المتكررة التي ارتكبتها خلال أكثر من 45 عاماً من الكتابة عن المنطقة يتمثل في أملي الدائم بأن ينتصر المنطق على الضغائن المتجذرة. ومع ذلك، إذا أرادت إدارة أمريكية تقديم حوافز لإيران كي تصبح دولة مسؤولة، فأنا مستعد لدعم هذه الفكرة.

عندما بدأ الجنرال أوليفر ب. سميث انسحابه من كارثة خزان تشوسين في كوريا عام 1950، يُروى أنه قال: «التراجع؟ هراء! نحن نهاجم في اتجاه آخر».

لكن بدلاً من الإدلاء بتصريح مقتضب كهذا يوم الأربعاء في فرنسا، أمضى ترامب سبعين دقيقة في الحديث محاولاً التغطية على ما يعرفه العالم أجمع: لقد ارتكب خطأً فادحاً بدخوله الحرب، وهو الآن يحاول تدارك الأمر عبر اتفاق يقلل من التهديد الذي تشكله إيران. ولا يسعنا في النهاية إلا أن نأمل أن ينجح.

يكتب ديفيد إغناتيوس عموداً عن الشؤون الخارجية في صحيفة واشنطن بوست.

ماذا تقرأ بعد ذلك