كولين ب. كلارك وأدريان شتوني
يبدو أن النظام الإيراني ليس مشغولاً بما فيه الكفاية. فبينما ينشغل بالحرب في الداخل، لا يزال حريصاً على تصدير الإرهاب إلى الخارج. ولننظر إلى الشكوى التي رفعتها وزارة العدل الأمريكية ضد محمد باقر سعد داود السعدي. إذ تزعم الحكومة أن السعدي، وهو قائد في كتائب حزب الله يبلغ من العمر 32 عاماً، مسؤول عن عدة مؤامرات وهجمات في أوروبا وأمريكا الشمالية تبنّتها حركة «أصحاب اليمين الإسلامية»، وهي واجهة تعمل لصالح الحرس الثوري الإيراني. وقد اعتُقل في تركيا أثناء توجهه إلى موسكو، ودفع ببراءته الأسبوع الماضي.
ويؤكد اعتقال السعدي وتصاعد هجمات حركة «حياة» أن الغرب لا يزال ساحةً للدول المارقة لشن حروب خفية. وقد انخرطت روسيا في مثل هذه التكتيكات لسنوات، وتتمثل إحدى أبرز أدواتها في تجنيد عناصر من المستويات الدنيا عبر وظائف «الاقتصاد التشاركي» القائمة على تطبيق تيليغرام. وتشير التقارير إلى أن المخابرات الروسية جنّدت أكثر من 800 أوكراني لمهام شملت الحرق العمد، وتخريب البنية التحتية، والتجسس خلال السنوات الأخيرة. وقد امتدت مخططات مماثلة إلى بريطانيا وبولندا وألمانيا ودول البلطيق.
واتبعت طهران نهجاً مماثلاً، محاكيةً الأسلوب الهجين الذي تنتهجه موسكو، من خلال استخدام عملاء يمكن الاستغناء عنهم، وبعضهم قاصرون، لتنفيذ عمليات انتقامية محددة الأهداف في الدول الغربية. وبدأت حركة «حياة» (HAYI)، التي يُزعم أنها تابعة للسعدي، نشاطها في مارس/آذار، بعد أيام من تصعيد العمليات الأمريكية والإسرائيلية ضد النظام. وقد تبنّت الحركة مسؤولية ما لا يقل عن 18 هجوماً في أوروبا، استهدفت معابد ومدارس يهودية، وسيارات إسعاف، ومراكز مجتمعية. ولم يتردد التنظيم وأنصاره في إغراق القنوات الموالية لإيران بمقاطع فيديو توثق هجماتهم، مما أسهم في تضخيم حالة الرعب في الوقت الفعلي.
والعديد من هذه الاعتداءات معادٍ للسامية بشكل صريح، ويهدف إلى ترهيب اليهود. لكن الهدف، على الأرجح، أوسع من ذلك. فالإرهاب، الذي غالباً ما يرتكبه مهاجرون مسلمون، يؤجج الخوف بين اليهود، والاستياء بين المسلمين، والريبة في أوساط الرأي العام. ويعمّق هذا النشاط الانقسامات الاجتماعية القائمة، ويزرع بذور الفتنة، ويزعزع استقرار المجتمعات الأوروبية. إنه شكل غير تقليدي من الإرهاب يهدف إلى إثارة الاضطرابات، ويبدو أن القارة الأوروبية تتعامل معه حتى الآن بقدر من التساهل.
وتُعد إحدى هذه الحالات مثالاً بالغ الأهمية. فقد أُدين ثلاثة مواطنين صربيين في مدينة سميديريفو، في ديسمبر/كانون الأول 2025، بتهم التجسس والتحريض على الكراهية العرقية والدينية. وشملت أفعالهم المزعومة وضع رؤوس خنازير أمام تسعة مساجد في أنحاء باريس، ورش مواقع يهودية بطلاء أخضر، ونشر ملصقات في العاصمة الفرنسية تشير إلى المجازر الجماعية التي ارتكبها العثمانيون بحق المسيحيين الأرمن. وأكدت سجلات المحكمة لاحقاً أن المخابرات الروسية هي التي أمرت بهذه العمليات وموّلتها. وكان الهدف المعلن، وفقاً للأحكام القضائية، تأجيج التوترات الدينية والعرقية وزعزعة استقرار فرنسا. ومع ذلك، اقتصرت عقوبة المتهمين الثلاثة على أحكام تراوحت بين ستة أشهر وثمانية عشر شهراً من الإقامة الجبرية تحت المراقبة الإلكترونية. وبعبارة أخرى، كانت العقوبة مخففة للغاية مقارنةً بعملية لزعزعة الاستقرار موجّهة من قبل جهاز استخبارات أجنبي.
وتعتمد استراتيجية هذه الهجمات على استغلال نقاط ضعف الدولة. فبمجرد أن يشعل أحد العملاء فتيل الأزمة، يمكن للدولة المستهدفة أن تتكفل بإكمال ما تبقى من آثارها. لذلك، ليس من المستغرب أن تحذر وكالة يوروبول، في وقت سابق من هذا العام، من هذه التهديدات في القارة. فالاستقطاب السياسي، ومعاداة السامية، وصعوبات اندماج المهاجرين، من بين عوامل أخرى، تشكل جميعها بيئة خصبة للتلاعب.
وينبغي التعامل مع «التهديدات الهجينة» ــ وهو مصطلح أقل حدة من الإرهاب ــ بالقدر نفسه من الجدية التي جرى بها التعامل مع الجهادية خلال ذروة ما عُرف بخلافة تنظيم الدولة الإسلامية. ويشمل ذلك إعطاء الأولوية لحملات التوعية العامة لتحذير الأفراد المعرضين للخطر في أوساط الشتات ومجتمعات اللاجئين من مخاطر التجنيد. كما يمكن للعواصم الأوروبية تعزيز التعاون العابر للحدود بين أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون. وينبغي لهذه الأجهزة أيضاً تخصيص مزيد من الموارد لتعطيل مراكز الشبكات، سواء على الإنترنت أو خارجه، بما في ذلك الجهات التي تدير عمليات العملاء منخفضي المستوى في أوروبا.
وقد تستغل واشنطن هذه التطورات لتعزيز دفاعاتها في مواجهة التهديدات على الأراضي الأمريكية. فالسعدي، على سبيل المثال، يُزعم أنه حاول تنسيق هجمات على كنيس يهودي بارز في مدينة نيويورك، ومراكز للجالية اليهودية في لوس أنجلوس وسكوتسديل بولاية أريزونا. كما تمثل هذه القضية فرصة سانحة للولايات المتحدة لمضاعفة تعاونها مع حلفائها لمنع تكرار ما كان السعدي يخطط له.
ولا يقل عن ذلك أهميةً أن تدرك الدول المارقة أنها ستُعاقب على عدوانها الهجين. فمن شأن الحملات الإلكترونية الهادفة إلى كشف شبكات التجنيد أن تعرقل جهودها، كما أن حظر المنصات التي تستخدمها حركة «حياة» وغيرها من الواجهات المشابهة سيبطئ انتشار دعايتها. كذلك فإن إضعاف الدول الراعية عبر فرض عقوبات إضافية سيبعث برسالة واضحة بشأن جدية الغرب في التصدي لهذه العمليات، وسيساعد في الوقت نفسه على قطع مصادر التمويل التي تدعمها.
وقد يخفف اعتقال السعدي من وتيرة عمليات حركة «حياة» على المدى القصير، لكن لا ينبغي للعواصم الغربية أن تتوقع توقف هذه الاستراتيجية. فطهران تدرك جيداً مدى فعالية العملاء الذين يمكن الاستغناء عنهم، وستستمر هذه الهجمات إلى أن ينجح الغرب في تطوير استراتيجية أكثر فاعلية لمكافحة الإرهاب.
أدريان شتوني هو الرئيس التنفيذي لشركة شتوني للاستشارات، وكولين ب. كلارك هو المدير التنفيذي لمركز سوفان.