منحت الهدنة الهشة الناس في إيران بعض الراحة من الموت الفوري، لكنها تركتهم أمام واقع أشد قسوة: اقتصاد ينهار، وأسعار تتضاعف، وأدوية تختفي، ومفاوضات تتعثر ثم تعود بلا نتيجة واضحة.
وبحسب تقرير لـنيويورك تايمز، فإن مشاعر الخيبة واليأس تتسع بين الإيرانيين، سواء كانوا بين معارضي النظام الذين راهن بعضهم على تغيير سياسي بعد الهجوم، أو بين مؤيدين باتوا يشعرون بأن الحرب والعقوبات والتضخم تبتلع حياتهم اليومية.
تفصيل:
• عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرب إيران في أواخر فبراير، رأى بعض معارضي “الجمهورية الإسلامية” أن الحرب قد تضع نهاية لحكم ديني استمر عقوداً. وبعد أشهر من القصف والدمار، تبدد ذلك الأمل.
• تقول الصحيفة إن الحرب خلفت، بحسب التقارير، نحو 1700 قتيل مدني، وألحقت أضراراً واسعة بالمطارات والطرق والمصانع والمرافئ والجامعات وأحياء سكنية مكتظة.
• الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وضرب قطاعات حيوية مثل البتروكيماويات، دفعا اقتصاداً متعباً أصلاً إلى مرحلة تهاوي متسارعة.
• الأسعار أصبحت هي العبء الأكبر. فمركز الإحصاء الإيراني أعلن أن التضخم قفز مقارنة بالعام الماضي، مع ارتفاع زيت الطبخ 430%، والبيض 345%، والأرز 287%، والحليب 139%.
• في مشهد يومي أكثر قسوة، يقول موظف حكومي مؤيد للنظام إن راتبه ينفد في منتصف الشهر، وإنه لم يعد قادراً على شراء اللحم أو الدجاج لعائلته.
• الأزمة تضرب الجميع. أحد المحافظين المؤيدين للحكومة قال إن ارتفاع الأسعار “لا يميز بين مؤيد ومعارض”، لأنه يطال الجميع.
•أدى نقص المواد الخام إلى وقف المصانع. يقول مدير مصنع عبوات بلاستيكية قرب مشهد: إن الإنتاج توقف وتم تسريح العمال مؤقتاً بسبب تعطل إمدادات البتروكيماويات.
• القطاع الصحي يتراجع أيضاً. يضيف طبيب في أصفهان: إن الصيدليات تقنن بيع الدواء، وإن وزارة الصحة طلبت من الأطباء وصف الأدوية الضرورية فقط بسبب النقص.
• يحذر رئيس جمعية الهيموفيليا في إيران من أن البلاد لا تملك احتياطياً من أدوية يحتاجها مرضى اضطرابات النزف، وأن الاستيراد بات شديد الصعوبة.
• تركت الحرب أيضاً قصصاً شخصية قاسية. انتشرت في إيران قصة حامد ميرزايي، الذي قال إنه فقد 12 فرداً من عائلته في غارة إسرائيلية على ميدان رسالت في طهران، بينهم زوجته ووالداه وأقاربه.
• بين المعارضين، كانت خيبة أخرى أكثر إهانة: تقرير نيويورك تايمز عن أن واشنطن وتل أبيب درستا في البداية تنصيب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بعد تغيير النظام. كثيرون رأوا في ذلك دليلاً على أن الإيرانيين مجرد أدوات في لعبة أكبر منهم.
• تصريحات ترامب المتقلبة زادت الارتباك. فهو يتحدث مرة عن مساعدة المحتجين الإيرانيين، ويهدد مرة أخرى بتدمير الحضارة الإيرانية القديمة، ثم يقول لاحقاً إنه سيكون “متشرفاً” بلقاء المرشد الجديد مجتبى خامنئي إذا تم التوصل إلى اتفاق.
• بعد انقطاع طويل للإنترنت العام من بداية الحرب حتى أواخر مايو، عاد الإيرانيون إلى وسائل التواصل برسائل تعكس صورة قاتمة: خوف، وغضب، وسخرية، وتعب من حرب لا يملكون قرارها.
ماذا بعد؟
تقول الصحيفة إن كثيراً من الإيرانيين، حتى من يعارضون النظام، باتوا ينظرون إلى التفاوض كطريق وحيد لإنقاذ البلاد ووقف الانهيار الاقتصادي.
لم يعد السؤال يتعلق بمسألة هل يضعف النظام أم أنه يصمد. السؤال الأعمق الآن: كم يستطيع المجتمع الإيراني أن يتحمل، إذا بقي عالقاً بين حرب لا تغيّر السلطة، وسلام لا يأتي، واقتصاد ينهار على الجميع؟