السبب الخفي وراء إصرار المديرين على دوام الجميع في المكتب!

Published on:

Author: Khaled Aziz

In Brief

تقول المقالة إن مقاومة بعض القادة للعمل من المنزل أو العمل الهجين قد لا تعود إلى الإنتاجية أو التعاون كما يعلنون، بل إلى النرجسية وحب السلطة والمكانة. وتستند إلى أبحاث ودراسات شملت آلاف المديرين ورؤساء التنفيذيين، وتخلص إلى أن القادة الأكثر تمركزاً حول الذات هم الأكثر ميلاً لرفض العمل عن بعد ودفع الموظفين للعودة الكاملة إلى المكتب. كما تشير إلى أن هذا الإلزام غالباً ما يأتي بنتائج عكسية، إذ يدفع الموظفين المميزين إلى الاستقالة ويخفض الرضا ويضعف جذب المواهب، بينما يمكن للترتيبات الهجينة أن تحافظ على الأداء وتزيد المرونة إذا نُظمت جيداً. وتختتم المقالة بتوصيات لقواعد العمل الهجين، منها التنسيق، وتقليل التكرار لصالح اللقاءات المركزة، وتكييف السياسات مع طبيعة الوظيفة واحتياجات الموظفين.

Full Article

نيويورك تايمز: آدم غرانت، ماريسا شاندل، كورتني إليوت

عندما انتهت الجائحة، ظن كثيرون ممن اعتادوا العمل من المنزل أن هذا النمط سيبقى متاحاً لهم، ولو لبضعة أيام في الأسبوع. لكن ما حدث في الولايات المتحدة كان مختلفاً. اليوم، أعادت ثلث الشركات تقريباً موظفيها إلى المكاتب بدوام كامل، ومنعت العمل عن بعد أو العمل الهجين.

يقول بعض القادة إنهم يصرون على الحضور الكامل لأنه يعزز الإنتاجية، رغم أن الأدلة الواضحة لا تدعم ذلك. ويقول آخرون إن المسألة تتعلق بالتعاون أو الإبداع أو ثقافة المؤسسة. لكن بحثنا الجديد يشير إلى أن رفض العمل من المنزل قد يكون مدفوعاً بسبب آخر تماماً: الأنا.

في بعض الحالات، قد تكون هناك أسباب وجيهة تدفع الفرق إلى العمل معاً وجهاً لوجه. لكن كقاعدة عامة، يبدو أن إجبار الموظفين على العودة إلى المكتب طوال الأسبوع هو في جوهره استعراض للسلطة والمكانة. إنه أسلوب مفضل لدى القادة الذين تظهر لديهم سمات نرجسية. هؤلاء يرون في أي شكل من أشكال العمل عن بعد تهديداً لسلطتهم وللإعجاب الذي ينتظرونه من الآخرين. يريدون أن يُعبدوا، مجازاً، عند مذبح المكتب.

خلال السنوات الست الماضية، درسنا الأسباب التي تجعل بعض القادة يدعمون العمل عن بعد، بينما يقاومه آخرون. استطلعنا آراء آلاف التنفيذيين والمديرين المتوسطين والمشرفين المباشرين حول مجموعة واسعة من السمات الشخصية. وعندما سألناهم لاحقاً عن مواقفهم من العمل الهجين والعمل عن بعد، لم تكن إجاباتهم مرتبطة بدرجة ثقتهم بموظفيهم، ولا بمدى حبهم للوجود بين الناس. السمة الوحيدة التي توقعت باستمرار رفض العمل عن بعد كانت النرجسية: الميل إلى التمركز حول الذات والشعور بالاستحقاق. وكلما بالغ القادة في تقدير أنفسهم، زادت رغبتهم في السلطة والمكانة، وزاد تأييدهم لفرض العودة إلى المكتب.

ظهر النمط نفسه لدى الرؤساء التنفيذيين في شركات «فورتشن 500». وبما أننا لم نستطع قياس حجم غرورهم مباشرة، اعتمدنا على مؤشرات اعتبرتها دراسات سابقة بدائل موثوقة للنرجسية: حجم رواتبهم ومكافآتهم، حجم توقيعاتهم، وحجم صورهم في التقارير السنوية لشركاتهم. صحيح أن الرؤساء التنفيذيين لا يشرفون غالباً على تصميم الصفحات بأنفسهم، لكن من يعملون تحتهم يعرفون عادة ما الذي يرضي المدير وما الذي لا يرضيه. فالتعويضات الضخمة والصورة المتضخمة يبعثان برسالة واضحة: أنا شخص مهم جداً.

وجدنا أنه كلما ارتفعت نتيجة الرؤساء التنفيذيين على هذا المؤشر، زادت رغبتهم في السلطة والمكانة، سواء عبر تولي رئاسة مجالس إدارة شركاتهم، أو الانضمام إلى مجالس إدارة شركات أخرى. وهؤلاء تحديداً كانوا أكثر الرؤساء التنفيذيين إطلاقاً للتصريحات السلبية عن العمل عن بعد والعمل الهجين خلال أول عامين من الجائحة.

العلاقة بين السمات النرجسية والرغبة في رؤية الموظفين داخل المكتب طوال الأسبوع ليست مصادفة. إنها علاقة سببية. في إحدى التجارب، طلبنا من قادة التفكير في الدور الذي لعبته الأنا الجريئة والحازمة في نجاح ستيف جوبز كرئيس تنفيذي لشركة آبل، ولاري إليسون في أوراكل. بعد هذا التمرين، أصبح القادة أكثر ميلاً إلى معارضة العمل عن بعد.

هذا لا يعني أن كل قائد يرفض العمل عن بعد مصاب بجنون العظمة. هناك عوامل كثيرة تؤثر في سياسات المرونة داخل المؤسسات. لكن بياناتنا تظهر أن القادة المتمحورين حول ذواتهم، عموماً، يجدون صعوبة في تقبل فكرة أن يختار الموظفون بشكل مستقل المكان الذي يعملون منه. لطالما شبّه علماء النفس النرجسية بالمخدر: إنها تخلق حاجة مستمرة إلى جرعات من الاهتمام والتقدير. والعمل عن بعد يحرم القادة من الوصول المنتظم إلى تلك الجرعات.

عندما لا يكون الناس في المكتب، يصبح الأمر أصعب على من يريدون الأمر والسيطرة. لا يستطيع القادة تخويف الموظفين بالوقوف فوق مكاتبهم أو إغلاق الأبواب بعنف. لا يستطيعون إثبات هيمنتهم باستدعاء الآخرين إلى غرفة اجتماعات والضرب بقبضاتهم على الطاولة. ولا يمكنهم حتى استخدام التواصل البصري المباشر للتحديق في وجوه الناس حتى يخضعوا.

كما أن العمل عن بعد يمنع القادة من الاستمتاع بهالة التبجيل التي يمنحها لهم الموظفون في المكتب. بدلاً من الظهور من مكتب زاوية فخم، يتحول القائد على الشاشة إلى مربع صغير بين مربعات متساوية. وبدلاً من الانتباه الكامل، يواجه على الإنترنت الملل والتعب ومقاطعات الشركاء والأطفال والحيوانات الأليفة. وبدلاً من الإشباع الفوري، يتلقى تعابير وجه متقطعة بسبب خلل الاتصال وردوداً متأخرة. حتى الطمأنة المتملقة من الموظفين لا تعطي المفعول نفسه إذا جاءت عبر «سلاك».

غالباً ما يرد القادة المتمركزون حول ذواتهم على هذه التهديدات بتشديد قبضتهم. يعلنون أن الموظفين يتهربون من العمل في المنزل، لا أنهم يعملون من المنزل. ويهددون بطرد من لا يحضرون إلى الموقع خمسة أيام في الأسبوع.

لكن الأدلة الصارمة تظهر أن إجبار الموظفين على الحضور اليومي يأتي بنتائج عكسية. دراسات شملت أكثر من 450 شركة وأكثر من ثلاثة ملايين موظف وجدت أن أوامر العودة إلى المكتب لا تزيد العوائد المالية. ما تفعله فعلاً هو دفع الموظفين المميزين إلى الاستقالة، وخفض رضا من يبقون، وجعل المؤسسة أقل جذباً للمواهب الجديدة. وتظهر تجارب في شركات تكنولوجية ومنظمات غير ربحية أن السماح للموظفين بالعمل من المنزل جزءاً من الأسبوع يزيد سعادتهم ويخفض معدل الدوران الوظيفي بمقدار الثلث، من دون أي تكلفة على الأداء. في حالات كثيرة، ينجز هؤلاء الموظفون أكثر لأنهم لا يهدرون وقتهم في التنقل، ولا يتشتتون بمقاطعات المكتب.

هذا لا يعني أن سياسات المرونة بلا حدود. تشير الأبحاث إلى أن العمل من المنزل لأكثر من نصف الأسبوع قد يؤدي إلى العزلة. يصبح بناء العلاقات والثقافة المؤسسية أصعب. كما يصعب تحفيز اللقاءات الإبداعية العفوية، والتعلم غير الرسمي، والإرشاد المهني. لكن تحقيق هذه الأهداف لا يتطلب الحضور خمسة أيام في الأسبوع. في الواقع، يبدو أن الناس يكونون أكثر تعاوناً وإبداعاً عندما يعملون عن بعد جزءاً من الأسبوع. يمكنهم تخصيص يوم أو يومين في المنزل للعمل الفردي العميق، وترك بقية الأسبوع للتواصل وحل المشكلات بشكل جماعي. من المعروف أن الإفراط في البقاء معاً ينتج التفكير الجماعي، فضلاً عن الجراثيم. وعندما نقضي بعض الوقت بعيداً عن بعضنا، نولد أفكاراً أكثر ابتكاراً ونتخذ قرارات أذكى.

صحيح أن العمل الهجين يفرض تحدياته الخاصة على القادة. ليس ممتعاً أن تحاول إلهام الناس عبر رسالة فيديو مسجلة، أو أن تقود جلسة عصف ذهني على سبورة رقمية. لكن للحفاظ على ميزة تنافسية في عالم يزداد مرونة، حان الوقت كي يضع القادة غرورهم جانباً ويتقنوا فن الإدارة عن بعد. الأدلة تدعم عدداً من القواعد الأساسية.

أولاً: التنسيق مهم. تحتاج الفرق إلى أيام ثابتة يحضر فيها الجميع، خصوصاً لاستقبال الموظفين الجدد وإرشاد الأقل خبرة. في مايكروسوفت، كان الموظفون الجدد الذين أمضوا بضعة أيام شهرياً على الأقل مع مديريهم وفرقهم أكثر رضاً عن تجاربهم الأولى، ما جعلهم أكثر ميلاً للبقاء خلال العام ونصف العام التاليين.

ثانياً: الكثافة أهم من التكرار. وجدت شركة البرمجيات «أتلاسيان» أن قضاء بضعة أيام مع الفريق في لقاء ربع سنوي مصمم جيداً يعزز الروابط والشعور بالانتماء أكثر من الذهاب اليومي المتعب إلى المكتب.

ثالثاً: العمل الهجين ليس وصفة واحدة للجميع. بعض الوظائف تحتاج إلى حضور أكبر من غيرها. وبعض الأشخاص يحتاجون إلى مرونة أكبر من غيرهم. فالمرونة، مثلاً، تثبت أهميتها في جذب النساء والاحتفاظ بهن. كما تحتاج إلى لقاءات أكثر إذا كان فريقك يعمل كفريق كرة سلة، يمرر أفراده الكرة ذهاباً وإياباً، لا كفريق جمباز يؤدي كل عضو فيه مهمته الفردية. وهذا يفسر لماذا تعاني الفرق التي تعمل عن بعد بالكامل في تسجيل براءات اختراع لتقنيات جديدة، بينما يصبح فاحصو طلبات براءات الاختراع أكثر إنتاجية عندما يستطيعون العمل من أي مكان يختارونه.

رابعاً: معظم الناس يهتمون بوقت العمل أكثر من مكانه. إذا استطاعوا اختيار ساعات عملهم، يصبحون أكثر استعداداً لترك قرار المكان للقادة.

سياسات المؤسسات لا ينبغي أن تكون مشاريع غرور شخصية. مسؤولية القادة ليست تشكيل العالم بما يناسب احتياجاتهم. مسؤوليتهم أن يكيّفوا أنفسهم مع احتياجات العالم، حتى لو كان ذلك يعني تعلم العيش من دون متعة الجمهور الحاضر أمامهم.

 آدم غرانت، ماريسا شاندل، كورتني إليوت.

Knowledge Base